السيد نعمة الله الجزائري
117
عقود المرجان في تفسير القرآن
بصيرة للمخبر عنه . وضعفه بيّن لأنّ الافتراء أخصّ من الكذب . « 1 » [ 9 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 9 ] أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 ) « أَ فَلَمْ يَرَوْا » ؛ أي : أفلم ينظر هؤلاء الكفّار « إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ » كيف أحاطت بهم ؟ وذلك لأنّ الإنسان حيثما نظر رأى السماء والأرض [ قدّامه ] وخلفه وعن يمينه وشماله فلا يقدر على الخروج منها . وقيل : معناه : أفلم يتدبّروا ويتفكّروا في السماء والأرض فيستدلّوا بذلك على قدرة اللّه ؟ ثمّ ذكر قدرته على إهلاكهم فقال : « إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ » كما خسفنا بقارون . « كِسَفاً مِنَ السَّماءِ » تغطّيهم فتهلكهم . « إِنَّ فِي ذلِكَ » ؛ أي : فيما ترون من السماء والأرض لدلالة على قدرة اللّه تعالى على البعث وعلى ما يشاء من الخسف . « مُنِيبٍ » تاب إلى اللّه ورجع إلى طاعته . فلا يرتدع هؤلاء عن التكذيب بآيات اللّه والإنكار لقدرته على البعث . حمزة والكسائيّ : أن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط بالياء في الجميع ، والباقون بالنون . وأدغم الكسائيّ وحده الفاء [ في الباء ] في ( يخسف بهم » « 2 » [ 10 ] [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 10 ] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) « فَضْلًا » ؛ أي : إحسانا بأن فضّلناه على غيره بالنبوّة والمعجزات . ثمّ فصّل سبحانه ما أعطاه فقال : « يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ » ؛ أي : [ قلنا للجبال : يا جبال ] سبّحي معه إذا سبّح . فكانت تسبّح معه . و [ تأويله عند أهل اللّغة : ] « 3 » رجّعي معه التسبيح ، من آب يؤوب . ويجوز أن يكون سبحانه فعل في الجبال ما يأتي به منها التسبيح معجزا له . وأمّا الطير ، فيجوز أن يسبّح ويحصل له من التمييز ما يأتي منه ذلك . وقيل : معناه : سيري معه أينما سار . وكان ذلك
--> ( 1 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 256 . ( 2 ) - مجمع البيان 8 / 593 - 594 و 591 . ( 3 ) - في النسخة : « ولغته » بدل ما بين معقوفتين .